وهبة الزحيلي

171

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المناسبة : بعد بيان قول أهل العلم : ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ أبان اللّه تعالى محل هذا الجزاء وهو الدار الآخرة ، وجعله للمؤمنين المتقين المتواضعين الذين لا يتكبرون على الناس ولا يفسدون فيهم ، بظلمهم وأكل حقوقهم ، ثم بيّن بعدئذ مقدار ذلك الجزاء الذي يحصل لهم : وهو أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف ، فأكثر ، فضلا من اللّه ورحمة ، وجزاء السيئة مثلها ، لطفا من اللّه وعدلا . وذلك كله عبرة بقصة قارون المتجبر المتكبر الباغي . التفسير والبيان : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً أي إن الدار الآخرة ونعيمها الدائم الذي لا يحول ولا يزول ، ولا عناء فيه ولا مشقة ، يجعلها ربك لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون ترفعا على خلق اللّه وتعاظما عليهم وتجبرا بهم بغير حق ، ولا فسادا بأخذ أموالهم بغير حق . ولم يعلق الوعد بالنعيم بترك العلو والفساد ، ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما . وقال : تِلْكَ على جهة التعظيم للجنة والتفخيم لشأنها ، يعني تلك التي سمعت بذكرها ، وبلغك وصفها . قال علي رضي اللّه عنه - فيما رواه ابن جرير عنه - : إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه ، فيدخل في قوله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ . . الآية . قال ابن كثير : وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره ، فإن ذلك مذموم ، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنه أوحي إلي أن تواضعوا ، حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد » .